الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

20

شرح ديوان ابن الفارض

وحكى لي أيضا رحمه اللّه قال : كان الشيخ جالسا في الجامع الأزهر على باب قاعة الخطابة وعنده جماعة من الفقراء والأمراء وجماعة من مشايخ الأعجام المجاورين بالجامع وغيرهم وكلما ذكروا حالا من أحوال الدنيا مثل الطشت خانه ) أي : طشت البيت الذي يستعملونه في غسل الأيدي ونحو ذلك ( والفرشخانة ) أي : فرش البيت مما هو المعتاد ( وغير ذلك يقول هذا من زخم العجم ) أي : وضع واصطلاح وأصل الزخم الدفع الشديد ( فبينما هم يتفاوضون في ذلك ويفخّمون زخم ) أي وضع ( العجم إذا المؤذّنون رفعوا أصواتهم بالأذان جملة واحدة فقال الشيخ : وهذا زخم العرب وتواجد وصرخ كلّ من كان حاضرا حتى صار لهم ضجّة عظيمة . وحكى لي أيضا رحمه اللّه قال : كان السلطان الملك الكامل رحمه اللّه أهل العلم ويحاضرهم في مجلس مختص بهم وكان يميل إلى فنّ الأدب فتذاكروا يوما في أصعب القوافي فقال السلطان من أصعبها الياء الساكنة فمن كان منكم يحفظ شيئا منها فليذكره فتذاكروا في ذلك فلم يتجاوز أحد منهم عشرة أبيات فقال السلطان أنا أحفظ منها خمسين بيتا قصيدة واحدة وذكرها فاستحسن الجماعة ذلك منه فقال القاضي شرف الدين كاتب سرّه : أنا أحفظ منها مائة وخمسين بيتا قصيدة واحدة ، فقال السلطان : يا شرف الدين جمعت في خزائني أكثر دواوين الشعراء في الجاهلية والإسلام وأنا أحبّ هذه القافية فلم أجد فيها أكثر من الذي ذكرته لكم ، فأنشدني هذه الأبيات التي ذكرت فأنشده قصيدة الشيخ اليائية التي مطلعها : سائق الأظعان يطوي البيد طيّ * منعما عرّج على كثبان طيّ فقال السلطان : يا شرف الدين لمن هذه القصيدة فلم أسمع بمثلها وهذا نفس محبّ ؟ فقال : هذه من نظم الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض . فقال : وفي أيّ مكان مقامه ؟ فقال : كان مجاورا بالحجاز وفي هذا الزمان حضر إلى القاهرة وهو مقيم بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر . فقال السلطان : يا شرف الدين خذ منّا ألف دينار وتوجّه إليه وقل عنّا ولدك محمد يسلّم عليك ويسألك أن تقبل هذه منه برسم الفقراء الواردين عليك فإذا قبلها اسأله الحضور لدينا لنأخذ حظّنا من بركته . فقال : مولانا السلطان يعفيني من ذلك فإنه لا يأخذ الذهب ولا يحضر ولا أقدر بعد ذلك أدخل عليه حياء منه . فقال : لا بدّ من ذلك ، فأخذ ) أي : كاتب السرّ ( الذهب وتركه مع إنسان صحبته وقصد مكان الشيخ فوجده واقفا على الباب ينتظره فابتدأه بالكلام ، وقال : يا شرف الدين ما لك ولذكري في مجلس السلطان ، ردّ الذهب إليه ولا ترجع تجيئني إلى سنة فرجع وقال للسلطان : وددت أن أفارق الدنيا ولا أفارق رؤية